عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

412

اللباب في علوم الكتاب

هنا ، وفي الحديث : « أحاسنكم أخلاقا » « 1 » وجاز أن يفرد ، وقد أجمع على ذلك في قوله : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ [ البقرة : 96 ] . فصل قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على المكر [ والغدر ] « 2 » ، وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال ، والجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظها ، وذلك الحفظ لا يتمّ إلّا بجميع الأخلاق الذّميمة : من الغدر ، والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والأيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه سوى أنّ اللّه - تبارك وتعالى - وصف بهذه الصفات الذّميمة من كان له مال وجاه لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه . قوله : وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ . والمراد ما ذكره اللّه تعالى في قوله : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] . واعلم أنّ سنّة اللّه [ - تبارك و ] تعالى - أنه يجعل في كلّ قرية أتباع الرسل ضعافهم لقوله في قصة نوح - عليه الصلاة والسلام - : أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [ الشعراء : 111 ] وجعل فساقهم أكابرهم ليمكروا فيها ، وذلك أنهم أجلسوا في كلّ طريق من طرق مكّة [ المشرفة ] « 3 » أربعة نفر « 4 » ليصرفوا النّاس عن الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم يقولون لكل من يقدم : إياكم وهذا الرجل ، فإنه كاهن ، ساحر ، كذّاب . وقوله : وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ [ لأنّ وبال مكرهم عليهم وهم ما يشعرون أنه كذلك . قالت المعتزلة : « وما يمكرون إلّا بأنفسهم » ] « 5 » مذكور في معرض التهديد ، والزّجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية الكريمة ، يدلّ على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس - فكيف يليق بالرّحيم الحكيم أن يريد منهم المكر ، ويخلقه فيهم ، ثمّ يهدّدهم عليه ، ويعاقبهم أشدّ العقاب ، ومعارضتهم تقدّمت مرارا . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 124 ] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) قال المفسّرون « 6 » : إنّ الوليد بن المغيرة قال : واللّه لو كانت النّبوّة حقا لكنت أولى

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) انظر تفسير الرازي ( 13 / 143 ) . ( 6 ) انظر المصدر السابق .